شموع مضيئة

بمناسبة "عيد الأم" تتفرد مجلة "تهاني" بلقاء خاص مع والدة الشهيد "عماد مغنية"

 
 
بمناسبة

بمناسبة "عيد الأم" تتفرد مجلة "تهاني" بلقاء خاص مع والدة الشهيد "عماد مغنية"

الحاجّة "أم عماد": شعرت بالفخر والعزة عندما علمت أن ابني كان يدخل إلى الأراضي المحتلة ويساعد الفلسطينيين دون أن يعرفه أحد

عندما يبدأ الفرد منا حديثه عن شخص ما، فإنه يبحث عن عوامل مميزة، تساعده في الغوص في تلكم الشخصية، كي يكون صادقاً في تعبيره وليس مجاملاً سطحياً..
إنما من يقف أمام الحاجّة "أم عماد مغنية" فإنه يقف حائراً تائهاً، لا يدري من أين يبدأ ولا أين ينتهي!!
تلك السيدة الأم، التي فقدت أبناءها الثلاثة في سبيل قدسية الوطن وحريته، دون أن تذرف عليهم دمعة حزن!!
عظيمة أنت يا سيدتي.. وأنت من حمل في صلب قلبه عماد وأخوته، شهداء عظام، كانوا كرائحة مسك طهور لأجل الكرامة والعطاء والتضحية.
وأقول لك: بأن هناك فتاة شابة دمشقية أسرت بك، ونالت قسطاً من عبق تاريخ أمتها عندما تشرفت بلقاءك، لتاريخ نساء غيروا وجه الأمة بفضل صبرهم وإيمانهم وقوتهم، عندما رأت في محيا وجهك الجميل: خنساء القرن العشرين دون منازع!.  

كونك أم لثلاث شهداء، ما هو إحساسك في "عيد الأم"، وما هو الاسم الأغلى على قلبك اليوم، "الحاجّة أم عماد" أم "أم الشهيد"؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، في البداية أعايد في هذا اليوم "عيد الأم" كل الأمهات، وخاصة أمهات الشهداء، وطبعاً "الأم" هي كلمة كبيرة جداً، "الأم" تعني الأمة بأكملها إذا جاز التعبير، لأنها المدرسة والمنزل، وبالنسبة لي فإن ناداني الناس "أم عماد" أو "أم الشهيد"، الاسمين عزيزين على قلبي، فالأول هو البداية، والثاني هو العزة والكرامة.

الأمومة قمة التضحية والعطاء، فما هو الأمر الذي يستحق أن تضحي الأم بأبنائها من أجله، وأنت أصدق مثال على من مرّ بهذه التضحية الكبيرة؟
رفع الظلم عن العباد هو أكبر تضحية، لأن الظلم صعب لدرجة كبيرة لا يمكن تصورها، وإذا شعر به الإنسان يحاول تقديم أغلى ما عنده من أجل رفع الظلم عن المظلوم.

الأم مدرسة، فما هي الأسس التي ربت الحاجة "أم عماد" عليها أبنائها، ليكونوا شهداء، وهل اخترت لهم الطريق، أم اختاروه بأنفسهم؟
طبعاً الأم مدرسة بالتربية، ونحن والحمد لله عائلة متدينة، لذلك ربينا أبناءنا على الدين وواجباته الإسلامية وواجبهم تجاه المجتمع، وكبروا على هذا الأساس، ولا يوجد أم توجّه أبناءها للموت، لكن المقاومة مفروضة علينا، ولنا الحرية أن نختار، إما الحياة بذل وإهانة، أو بعزة وكرامة، كان توجّه أبنائي هو المقاومة، ولم أكن سوى مساعدة لهم وليس أكثر.

علّمت أبنائي احترام الآخرين
الأبناء دائماً حاضرين في قلوب أمهاتهم "أطفالاً"، فهل تستطيع الحاجة "أم عماد" أن تصف لنا طفولة أبناءها؟
أنا مثل أي أم، لديها الكثير من هذه التفاصيل، لقد كنت أهتم بدرجة كبيرة بنظافة أبنائي وترتيبهم، وكانت الناس تحسدني على أناقتهم، طبعاً مع تعليمي لهم احترام الآخرين من رفاقهم، أذكر أني كنت ألبسهم ملابس مشابهة لبعضهم، كنت أخيطها لهم بنفسي تفرغت لهم، ولم يكن يشغلني شيء عنهم، وأنا أفضل أن تكون الأم هكذا، تهتم بأبنائها لمرحلة معينة، وعندما يصبحون قادرين على الاهتمام بأنفسهم تتفرغ للعمل، فأنا بعد أن كبر أولادي تفرغت للعمل الاجتماعي والإسلامي وهم ساعدوني أيضاً. لقد مررنا بظروف صعبة في لبنان "حروب" و"قصف" و"أوضاع سيئة"، وكان الأهل الذين لا يهتمون بأبنائهم يعيشون مرارة فقدانهم، ليس بالموت بل بالانحراف. الحمد لله أنني حافظت على هذه المسألة.

ذكرتَِ أنك ربيتي أبناءك الثلاثة بنفس الطريقة، لكن هل كان هناك شيء يميّز الحاج "عماد" عن أخوته وهو صغير؟
كان يتميز بذكائه، لم يجبرني مرة أن أسأله عن دراسته مثلاً.

وجود الشهيد مستمر لأن قضيته مستمرة
ماذا تفعلين عندما تشتاقين لأبنائك؟
أتحدث مع صورهم، وأشعر أنهم موجودون معي دوماً، الشهيد لا يموت، وأكبر دليل على وجوده أننا نتحدث الآن عنه في هذا اللقاء، ليس المهم أن يكون الإنسان موجوداً بشخصه، بل بأفعاله وذكراه. وجود الشهيد مستمر، لأن قضيته مستمرة، وما زلنا إلى الآن نستقبل الوفود التي تأتي لتزور الضريح، هذا الاستمرار يشعرني بأن "عماد" ما زال موجوداً بيننا، وبالنهاية الحياة سوف تنتهي ولن يخلد أحداً فيها، لكن النهاية بكرامة هي المسألة المهمة، والحمد لله أن أبنائي كان عندهم هدف، وهو هدف كبير، "القضية الفلسطينية" مثلاً أليست قضية مهمة؟ وكم نتمنى عندما نرى الشعب الفلسطيني في "غزة" يتعذب ويُقتل أن نساعده، وعندما أعرف أن ابني كان يدخل إلى الأراضي المحتلة ويساعدهم، دون أن يعرف أحد ذلك، ودون أن يعرفون من هذا الشخص، أليس هذا فخراً وعزة، هذا الإنسان الكبير الذي يشتغل في الخفاء، ولا ينتظر المقابل.

الحاج عماد كان لا يبالغ بالاهتمام بمظهره وكانت البساطة من أهم صفاته
الشهيد "عماد" اسم لا يختصره زمان ولا مكان، ولكن مؤخراً ارتبط اسمه "بجادة" في الضاحية الجنوبية، ما الذي أضافته هذه التسمية معنوياً على سجل عماد مغنية؟
ربما عرف الناس فيما بعد جهده وعمله، لأنه كان يعمل بالخفاء، فأرادوا مكافئته، لكن هذه الأمور لم تكن تعني شيئاً له، أو حتى مسألة تعليق الصور في الشوارع للشهيد، فعندما استشهد أخاه "جهاد" استيقظنا فوجدنا صوره معلقة بالشوارع، فقال "عماد" حينها: "لم يسألوني، ولو فعلوا لما رضيت بذلك"، لأنه لا يحب المظاهر، حتى لباسه كان عادياً ولا يبالغ بالاهتمام بمظهره، كانت البساطة من أهم صفاته، حتى أن أخاه الحاج "فؤاد" كان يعترض على إهماله لمظهره، ويشتري له الثياب، لكنه كان لا يرتديها. كل هذه الأمور كانت لا تعنيه، والشيء الهام والوحيد في حياته كان هو عمله. وفي الفترة التي سبقت استشهاده كان شخصاً غريب الأطوار.

برأيك، تأثير الفراق يكون على الأم أهون عندما يكون الابن شهيداً؟
طبعاً، لأنه استشهد بسبب الدفاع عن قضية سامية، فإذا مات الابن بحادث، أو غير ذلك... يترك حرقة وغصة في قلب الأم طوال حياتها، لكن الشهيد تشعر والدته بالاطمئنان.

ذكرتِ فيما سبق حاجّة "أم عماد" أنك شعرت بالراحة عندما علمت أن الحاج "عماد" اغتيل!!
نعم، لأننا كنا نعيش حالة كبيرة من القلق، فقد كانوا يفضلون أسره، وكنت حينها في الحج ودعيت هناك لله أن يستشهد ولا ينجحون بأسره، وقد استجاب الله لدعائي، فالأسر ذل والاستشهاد عزة.

قدمت ثلاثة شهداء، ما هو الشيء الذي لم تقدميه بعد؟
الذي لم أقدمه أني أتمنى أن يتحقق النصر في القضية التي استشهد أبنائي من أجلها.

قال سماحة السيد حسن نصر الله في ذكرى الشهداء القادة " نريد أن نثأر للقائد عماد مغنية" ما رأيك بقوله؟
طبعاً الأمين العام إذا قال كلمة فهو صادق بكلامه، ونتمنى أن تساعد الظروف على تحقيق ذلك.

الحاج "عماد" عرفناه شهيداً قائداً، هل كنت تعرفين أن ابنك سيصل إلى هذه المرتبة؟
منذ أن وعي على هذه الدنيا كان عنده صفة القيادة، ولطالما كان يوجّه رفاقه، طبعاً لم أتوقع ما وصل إليه، لكني كنت ألاحظه منذ طفولته، وأستنتج أنه شخص يستطيع تحمل المسؤولية.

بأي ابن من أبنائه تشاهدين الحاج "عماد"؟
ابنه "جهاد" الذي ألقى الكلمة في أسبوع استشهاد والده، وهو الآن سنة ثانية في الجامعة.

أتمنى أن ترجع أمهات زمان
ما دور الأم في وصول الأبناء لأهداف سامية بشكل عام؟
الأم هي الركيزة الأساسية في المجتمع، و"الأم" الواعية هي التي تستطيع أن تدير أسرتها بالشكل المطلوب والقادرة على إنشاء أسرة ناجحة، لكن ضمن الوضع الحالي الذي نعيشه إذا بقيت "الأم" على هذا الشكل، فإن مجتمعنا سيتفكك أكثر فأكثر، لأنه أصبح كالمجتمع الغربي، كل فرد ينصرف إلى أموره!! أين اللقاءات العائلية التي كانت الأم تقوم بها؟ أين الحياة الاجتماعية؟ نحن نفتقدها اليوم!! هذا التفكك يلغي التوجّه الواحد للأسرة، أتمنى أن تعود الأمهات للتفكير بهذه القواعد الأسرية القديمة التي لها قيمة كبيرة، لأن كل قديم له ثمن، الأم قديماً أنتجت أجيالاً، أما الآن فأنا أنظر حولي وأخاف من هذه الوضع الذي نعيش فيه، وأتمنى أن ترجع أمهات زمان.

كوني مواطنة سورية وأعرف ما يكنه الشعب السوري للشهيد "عماد" مغنية، بإسمي وبإسم كل "أخت" و"أم" أهنئك بهذا العيد، وأطلب منك كلمة "للأم" السورية؟
أهنئها بعيدها، وأتمنى منها أن تشعر وتكون بجانب الأم الجنوبية، لأنها أم المقاومة والشهداء. في "الجنوب" كل بيت يوجد فيه شهيد، فهناك أمهات قدمن أغلى ما عندهن واللواتي وقفن مع أبنائهن في معارك "حرب تموز"، وأنا أعرف أمهات ألبسن أولادهم لباس الحرب وأرسلوهم للشهادة، كم لهذه الأم من قيمة وثمن، وهل يوجد أغلى من الابن. أتمنى أن تتعاطف الأمهات السوريات مع أمهات الشهداء. فالمقاومة نجحت لأن وراء هذه المقاومة أمهات عظيمات.
 
اذكري لنا أربع صفات تلخص شخصية الشهيد "عماد مغنية" ؟
الحاج "عماد" كان شخصاً لا يحب الكلام الكثير، متكتم جداً في أمور عمله، يحافظ على وقت ونجاح أي عمل يقوم به، وقادر على تحمل المسؤولية.

 

تهاني صقر

Copy Rights Tahani © All Rights Reserved 2010
Powered by Syria Nobles Web Hosting Provider